أحمد زكي صفوت

188

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة

بعد أمّته « 1 » ، أسفت لما أضعت ، وندمت بعد الفطام على ما رضعت ، وتأكد وجوب نصحى لمن لزمني رعيه ، وتعلّق بعيني سعيه ، وأمّلت أن تتعدّى إلىّ ثمرة استقامته ، وأنا رهين فوات ، وفي برزخ أموات ، ويأمن العثور في الطريق التي اقتضت عثارى ، إن سلك - وعسى ألّا يكون ذلك - على آثاري ، فقلت أخاطب الثلاثة الولد ، وثمرات الخلد « 2 » بعد الضّراعة إلى اللّه تعالى في توفيقهم ، وإيضاح طريقهم ، وجمع تفريقهم ، وأن يمنّ علىّ منهم بحسن الخلف ، والتلافي من قبل التّلف ، وأن يرزق خلفهم التمسك بهدى السّلف ، فهو ولىّ ذلك ، والهادي إلى خير المسالك : اعلموا هداكم اللّه تعالى الذي بأنواره تهتدى الضّلّال ، وبرضاه ترفع الأغلال ، وبالتماس قربه يحصل الكمال ، إذا ذهب المال ، وأخلفت الآمال ، وتبرّأت من يمينها الشّمال ، أنى مودّعكم وإن سالمنى الرّدى ، ومفارقكم وإن طال المدى ، وما عدا ممّا بدا ، فكيف وأدوات السّفر تجمع ، ومنادى الرحيل يسمع ، ولا أقلّ للحبيب المودّع ، من وصية محتضر ، وعجالة مقتصر ، ورتيمة « 3 » تعقد في خنصر ، ونصيحة تكون نشيدة واع مبصر ، تتكفّل لكم بحسن العواقب من بعدى ، وتوضّح لكم من الشفقة والحنوّ قصدي ، حسبما تضمّن وعد اللّه من قبل وعدى ، فهي أربكم الذي لا يتغيّر وقفه ، ولا ينالكم المكروه ما رفّ عليكم سقفه ، وكأنّى بشبابكم قد شاخ ، وبراحلكم قد أناخ ، وبناشطكم قد كسل ، واستبدل الصّاب « 4 » من العسل ، ونصول « 5 » الشيب تروّع بأسل ، لا بل السّام « 6 » من كل حدب قد نسل ، والمعاد

--> ( 1 ) الأمة هنا : الحين ، اقتبسه من قوله تعالى : « وَقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ » . ( 2 ) الخلد : القلب والنفس . ( 3 ) الرتيمة : خيط يعقد في الأصبع التذكير . ( 4 ) الصاب : عصارة شجر مر . ( 5 ) النصول جمع نصل : وهو حديدة الرمح والسيف . والأسل : الرماح . ( 6 ) السام : الموت : والحدب : ما ارتفع من الأرض ، ونسل كضرب : أسرع والمعاد : المرجع .